أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
68
التوحيد
مذهبهم ينتج مذهب أهل الدهر والزنادقة لا مذهب أهل الإسلام ، واللّه الموفق . ومذهب الزنادقة أن العالم كان فعل اثنين ليس لأحدهما في فعل آخر صنع ولا تدبير ولا قدرة ، وأن كل واحد منهما ينفرد بنوع من الفعل من الشر والخير لا يقدر عليه الآخر . وكذلك مذهب المجوس . وعلى مذهب الاعتزال أن العبد له قدرة على نوع من الفعل وهو الكسب ، وللمعبود نوع وهو الإيجاد ، وليس للّه على ما للعبد قدرة ولا صنع ، ولا للعبد على ما للّه ، وعلى هذين الأمرين دار تدبير العالم ، فضهوا به من ذكرت في التحصيل . ثم ازداد مذهب هؤلاء قبحا من حيث جعلوا منه قدرة على ما للعبد من السكون والحركة ، فلما أقدر اللّه العبد عليهما ذهبت عنه القدرة ، ولا نرى الثنوية تزيل قدرة واحد منهما بالتمكين من الآخر ، ليعلم معنى القدرة في الذي أضيف إليه الربوبية عند الثنوية أحق أن يكون بنفسه منه عند المعتزلة ، وفي ذلك إزالة القدرة للّه أن يكون بذاته ، وهو أقبح قول . والثاني كذبهم ، إذ ثبّتوا للعبد في نوع فعله جميع ما ثبّتوا للصانع ، ولم يثبّتوا له اسم الألوهية الذي عرف اللّه به من فعل الإنشاء ، وكذلك اسم الخالق . مع ما كانت المعتزلة يزيدون في رتبة قدرة العبد القادر على قدرة اللّه ؛ لأنهم يقولون : إن اللّه لا يقدر بالموعود أن يكون ، وبما كان الوفاء فعله ، مع الوصف بالقدرة ، وذلك نحو ما ضرب لعبيده مددا ولهم أرزاقا قدّرها لهم ، ثم يجئ عبد فيقتله قبل استيفائه مدته وإنجازه وعده ، على بقاء قدرته ، واللّه تعالى لا يقدر على منع العبد مما هو فعله ، يريد الوفاء به على غير منع القدرة عنه ، فصارت قدرة العبد أعظم ، ومشيئته أنفذ ، جل ربنا وتعالى عن هذا الوصف . والثنوية تزعم أن النور وقع في حبس الظّلمة ووثاقها من الوجه الذي همّ به الصلاح ودفع شرها عن جوهره ، وكذلك الظلمة على قول من يجعل ابتداء القدح منها ، فأخطأ جميعا ؛ لما خرج فعلها على خلاف ما أرادا ، وصار كل واحد منهما في جهة من يد الآخر ، فلزمهم القول في النور بالخطإ وبالجهل والعجز . أما الخطأ ؛ فلما لم يكن عاقبته على ما أراد ، والجهل ؛ لما لم يكن علم أنه يبقى في وثاق عدوه ، وأما العجز هو أنه في جهد الخلاص وتدبيره ، فلم يتهيأ له . وكذلك قول المعتزلة : إن اللّه لم يقو كافرا ولا أحدا إلا ليطيعه ، ولا ملّك أحدا شيئا إلا ليشكر ، ولا خلق أحدا إلا ليخضع له ، وكذلك يريد ، وله فعل ما فعل ، ولو كان منه غير هذا كان يكون سفيها ظالما ، ثم لم يكن بجميع ما أعطى أعداءه ما أراد ، وله أخطاء ، وذلك الخطأ المعروف أن لا يخرج الأمر على ما يريده ، ثم القدرة على ما لم لو فعل لكان خارجا عن علمه ، ثم ثبت من الفعل فيما بعد هو فعل اللّه في